عندما كانت لدينا إذاعة واحدة..كانت هذه الواحدة كافية لكل ألوان الطيف العربي..وكانت متابعة وراصدة لكل الغناءالعربي من الخليج العربي حتى المحيط .. وكنا تقريبا الشعب العربي الوحيد الذى يتعاطى مع منجز الآخرين بهذه السعة..
وساهم ذلك في غنى مخزوننا اللغوي والفني.. وواكب انفتاحنا العربي هذا وقتها مجاورة محلية فعالة فساحتنا الفنية كانت تعج بالجميل والجديد وكانت هذه الأذاعة الوحيدة قادرة على رصد كل جميل فيها يلامس نبض الشارع عندنا وراعية له.
بفرقتهاالراقية التي صاحبت أهم الفناننين الذين قدموا أجمل الأغاني الليبية
.مع تطور وسائل الاتصال وانتشار القنوات الغنائية الفضائية.. بإمكانياتها الجبارة ..وساعات بثها الطويلة.. سيطرت فضائيات بعينها على الساحة..وبالتالي سيطرغناؤها على ساعات بثها.. وأختفى في المقابل فن شعوب عربية أخرى .. ونحن على رأسها.. ولن أناقش هنا مدى جودة أوضعف ما يقدم .. فمنطق السوق يهمه فقط الربح.والأشياء الأخرى كالذوق الراقي.. والفن الحقيقى إذ جاءت في إطار هذا المنطق كان بها وإن لم تأتِ فلن يجهد نفسه كثيرا في البحث عنها.. ولأن ركيزة هذه المحطات اعتمادها على حاسة النظربشكل أساسي لأن العين عندما تعمل هي أقوى من الأذن..خصوصا لو مارست عليها الصورة أساليبها المثيرة..عندها.تضيع معها مقومات الأغنية الآخرى.أو تأتي في المرتبة الثانية..ورغم ذلك بين الحين والاخر هناك ما يمتع العين والأذن .. ولكنه قليل قياسا بما تفرضه علينا من أغان لا علاقة لها أبدا بالفن كفن وانتشارها بهذا الكم لايزعجني لأن قراءة التاريخ تقول لنا الذي يبقى دائما في ذاكرة الشعوب هو الكيف..مهما طال الزمان..ويمكنني في هذه العجلة التأكيد على أن هذه المحطات الكثيرة جدا أصبحت هي المصدر الأساسى الذي نستقي منه الأغاني..في ظل أضمحلال دور الأذاعة المسموعة... لدرجة أن الراديو كجهاز في طريقه الي الأختفاء كليا من بيوتنا..هذا الاتجاه أتاح. لهذه المحطات حضورا طاغيا الآن..وقد أكون من جيل المحظوظين الذي واكب تطور وسائل الاتصال وهذا الزخم الذي نشهده اليوم واستمتع به و لكن في المقابل.. يتحسر و يتساءل أين ذهبت أغانينا الجميلة التي كانت تصدح بها أذاعتنا الوحيدة ؟ أين هم مطربينا الذين رددنا معهم أجمل الأغاني الليبية ؟!
المتابع لبرامج الفضائيات العربية التي تهتم بالموهوبين سيتأكد أن بلادنا حاضرة بقوة بنماذجها المتفوقة.الأ أن هؤلاء المميزين يختفون بمجرد الخروج منها .
أتابع مع أولادي أغاني ليبية لم يستمع لها جيل أولادى مما جعلهم يبادرون بسؤالى والدهشة تملؤهم هل حقا هذه أغنية ليبية ؟ شعرت عندها بحجم الكارثة..
فهم يرددون جميع الأغانى ولا يعرفون أغانيهم ..ياتُرى هل هو ذنبى أم ذنب أذاعاتنا المرئية والمسموعة التى لا تعطي هامشاً كبيراً للأغاني الليبية ؟ ولم تطور من أدواتها حتى تحاكى هذا العصر السريع بحضورها على الأقل محليا.. وغياب رعايتها السابقة..لكل جديد أو قديم على ساحتنا..أم ذنب فنانينا الذين لم يستطيعوا في هذا الفضاء الواسع تأثيث ركن لهم أم ذنبنا جميعا ؟!