أن تقوم مجموعة مسلحة بقتال محتل يغتصب الأرض ويستبيح الحرمات، فهذه مقاومة تُحرض عليها شرائع السماء والأرض وتدعو إليها المروءة والشهامة والأخلاق الحميدة، أما أن تقوم عصابة مسلحة بالإغتيال والقتل العشوائي وخطف الأبرياء وتخريب المرافق العامة، فهذا عمل إرهابي تنهى عنه الشرائع وتأباه أبسط المشاعر الإنسانية وتتقزز منه النفوس الأبية، وتقشعر من هوله الأبدان وقد تكون الضحية أكبر مقتاً للإحتلال من هؤلاء الآثمين.
ولكن التفرقة بين ما يُعتبر مقاومة ومايدخل في نطاق الإرهاب، لا تبدو بهذه السهولة، فكثيراً ما تنحرف مجموعة مسلحة تقاتل عدواً محتلاً غاصباً إلى الأعمال الإرهابية، وكثيراً ما تجنح عصابة إرهابية مسلحة إلى قتال عدو محتل غاصب.
لعل أول كتاب علمي يضع منهاجاً وفلسفة لقتال العدو المحتل هو كتاب "المعذبون في الأرض" للكاتب الأمريكي فرانز فانون "من أصول أفريقية" وقد صدر هذا الكتاب في سنة 1961 بمقدمة لجان بول سارتر تنبأ فيها بأنه مؤذن للشعوب الشرقية المحتلة بمقاومة الاستعمار الغربي، ودعى فانون في هذا الكتاب إلى أنه لا مناص للشعوب المحتلة من الانقضاض على عدوها المحتل بكل وسائل العنف المتاحة، وذهب إلى أبعد من ذلك فقال: إن الشعوب التي ترضى العيش في ظل المستعمر الذي يغتصب أرضها هي شعوب فقدت الإنسانية ولاتعيش إلا على هامش البشر، ولا يعود الفرد في هذه الشعوب إنساناً إلا بقدر ماينال من عدوه المحتل، والقضية عند فانون هي قضية الأرض وحرام عنده أن تغزو أمة أرض أمة أخرى وتحتل أرضها ولا إنسانية لأمة ترضى بهذا الاحتلال ولا تحمل السلاح لقتاله ويرى أن قتال العدو المحتل يؤدي إلى شفاء كثير من الأمراض النفسية التي تعاني منها الشعوب المحتلة.
لم نقف على كتاب آخر أو مقالة لفانون عسى أن يكون قد تراجع عن نظريته أو استثنى فيها أو عَدَل عن بعضها أو خفف شيئاً من أجيج نارها، كما فعل هيجل وماركس وسارتر نفسه لأنه ألقى القلم وحمل السلاح وشد الرحال إلى الجزائر ليقاتل فيها المستعمر الفرنسي ثم لم يلبث أن لقي ربه وهو في ريعان الشباب ربما حسرة على أنه كان مقدمة لمخطط أمريكي لتطهير المنظمة من الاستعمار الأنجلو فرنسي تمهيداً لغزو أمريكي جديد.
الإرهاب ترجمة خاطئة للمصطلح الغربي ترر terror لأن هذا المصطلح يعني الرعب وليس الإرهاب وربما رصد من هذه الترجمة الخاطئة إلى إلصاق التهمة بالمسلمين.
لقوله تعالى"وأعدو لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم" الأنفال 60 الرهبة هي الخوف بغير فزع "يدعوننا رغباً ورهب" الأنبياء 90 ويقابلها في اللسان الغربي humleخلاف الرعب الذي يعني الخوف بفزع، المصطلح الغربي يستعمل التعبير الصحيح عن المعنى المقصود والترجمة العربية لهذا المصطلح تجره إلى الكارثة بقصد أو بغير قصد.
ويقف المجتمع الغربي من هذه الواقعة موقف الدفاع، أو هكذا استطاع أن يُرسخ هذا الموقف بتشريعاته وإعلامه وحركاته السياسية والعسكرية!! في قانون منع الرعب البريطاني فإن الرعب terror هو"استخدام العنف لأهداف سياسية،ويشمل أي استخدام للعنف بهدف ترويع الناس كلهم أو بعضهم"،وبالمقابل فقد عرّفه المشرع الأميركي بأنه "استعمال العنف بما ينطوي على خطر على الحياة الإنسانية انتهاكاً للقوانين الجنائية بقصد تخويف المجتمع المدني أو إكراهه، أو التأثير على سياسة الحكومة بالتخويف أو الإكراه أو الاغتيال أو الخطف" ومن جهته ألقى نتانياهو بجهالته فقال :"الرعب يُعبر عن صنف جديد من البشر يرجع بالإنسانية إلى عصور ما قبل التاريخ والفضيلة ويكشف عن مخلوق مجرد من كل إحساس بأي مبدأ أخلاقي وكأنه آلة قتل" ونسى الرجل أن هذا الوصف ينطبق على دولته العنصرية القائمة على القهر وسفك الدماء.
أياً ما كان الأمر فإن الوصف الغربي ينطبق على الرعب وليس على الإرهاب، ويكمن الفرق بين المقاومة والرعب في المواجهة الجماعية للإحتلال، فإذا انعقدت إرادة الجماعة على هذه المواجهة فتلك هي المقاومة، كمثل إلتفاف الشعب الليبي حول ثورته من أول يوم، وعقد العزم مع قيادته على المواجهة،هنالك استطاع هذا الشعب أن يطرد الاستعمار الأمريكي والبريطاني والاستيطان الايطالي، وينتزع اعتذاراً إيطالياً غير مسبوق عن حقبة الاحتلال الايطالي بغير قتال إلا ما أصاب المستعمر من "رهبة" هذا المواجهة.
أما إذا إلتقت عصابة، أو دكاكين سياسية من أحزاب أو مذاهب أوطوائف متفرقة على القتل والتخريب والخطف والإغتيال بدون أي سند من إرادة جماعية على المواجهة، فهذا هو الرعب الذي ينقلب على أهله بأشد وبالاً من العدو المحتل، وليس أيسر على المستعمر من أن يشتري عصابة أو دكاناً سياسياً بمجرد وعد بدعم حكومته أو بمال زهيد، ولكنه لايستطيع أن يشتري شعباً بملأ الأرض ذهباً، ولا تستطيع عصابة أو دكان سياسي أن يدعي أنه يُمثل الشعب أو يعبر عنه ولو إلتقت معه إرادة الشعب على فترة من النضال في لحظة من الهوى أو الإنفعال، العبرة دائمآً بصدق القيادة، وقوة المواجهة الشعبية التي تقف وراءها .
ليس أعظم قيادة من الأنبياء، ولكن عندما تخلف القوم عن المواجهة وقالوا لنبيهم "إذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون" فقد خسروا القضية، وكُتب عليهم التَيه